الشيخ محمد هادي معرفة

301

التفسير الأثرى الجامع

للّه واجبا ، ولا من أموالهم يتصدّقون ، ولا يقومون بمعروف ، ولا الضيف يقرون ، ولا مكروبا يغيثون ، ولا بشيء من الإنسانيّة يعاشرون أو يعاملون . قوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ليس ترديدا من القائل أو استدراكا ، وإنّما هو على طريقة الإبهام على السامع . أي بأيّهما قلت فقد أصبت ، فهم بين هذا وذاك . . والاستدراك إنّما هو لتدارك الغلط ولا خطأ من العالم الحكيم وهذا كقول أحدهم : لا خير فيهم لا في قليل ولا في كثير . قوله : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ . . . بيان لكون قلوبهم أشدّ قسوة . قال : وهذا الذي وصف اللّه به قلوبهم جاء نظيره في سورة النساء : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً « 1 » . وما وصف به الأحجار هنا ، جاء نحوه في سورة الحشر : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 2 » . قال : وهذا التقريع لليهود ومن على شاكلتهم ، استغلظه يهود المدينة فأتى رؤساؤهم وذوو الألسن والبيان منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقالوا : يا محمّد ! قد هجوتنا وادّعيت على قلوبنا ما يعلم اللّه خلافه ، إنّ في قلوبنا الخير الكثير ، نصوم ونتصدّق ونواسي الفقراء ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه تعالى ، وعمل على أمره تعالى . فأمّا الرياء والسمعة ومنابذة الرسول والاستكبار على اللّه فليس بخير ، بل هو شرّ محض ووبال على صاحبه ، يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب . فقال اليهود : إنّما نريد بذلك منابذتك حسبة للّه تعالى ، فيما نعتقده ! فقال رسول اللّه : يا إخوة اليهود إنّ الدعاوى يتساوى فيها المحقّون والمبطلون ، ولكن حجج اللّه ودلائله واضحة لائحة تميّز المبطلين عن المحقّين . قال رسول اللّه : وأنا بسمتي رسول اللّه لا أغتنم جهلكم ولا أكلّفكم التسليم لي بغير حجّة ، ولكن

--> ( 1 ) النساء 4 : 53 . ( 2 ) الحشر 59 : 21 .